حرب.. دبلوماسية.. أم ثورة: ما الذي ينتظر إيران؟

 

 بعد أسبوع من أكبر المظاهرات التي شهدتها البلاد منذ سنوات، خيم الصمت مجدداً على شوارع إيران، بعد أن خضعت للقوة.

وشبّه أحد سكان طهران الأجواء في العاصمة بأيام عيد النوروز، رأس السنة الإيرانية، حيث يغادر الكثيرون المدينة وتغلق المتاجر أبوابها مبكراً.

لكن لا وجود لأي بهجة احتفالية، بل هدوءٌ غريب، على حد قوله.

وتستمر الحياة في ظل حملة قمع دموية ضد المتظاهرين، وتحت وطأة شبح مواجهة عسكرية جديدة محتملة مع الولايات المتحدة.

 وتأمل الجمهورية الإسلامية الاحتفال بالى السابعة والأربعين للثورة التي أوصلتها إلى السلطة الشهر المقبل، وستحشد الجماهير وتُذيع الألحان الثورية. 

ومع ذلك، من المرجح أن تكون الأجواء في أروقة السلطة في طهران أقل احتفالية بكثير، إذ يواجه النظام أكبر تهديد لبقائه حتى الآن.

وربما تمكن من سحق الموجة الأخيرة من الاحتجاجات باستخدام أساليبه القمعية المجربة لكن المظالم الأساسية التي تحرك المتظاهرين لم تختفِ.

كيف وصلنا إلى هنا؟

يُعتبر يومي الخميس والجمعة الماضيين من أهم الأيام في تاريخ إيران الحديث.

تحولت الاحتجاجات الاقتصادية التي بدأت في أسواق طهران فجأةً إلى ما قد يُصبح أكبر تهديد يواجه الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها في 1979.

وخرجت حشود غفيرة إلى الشوارع في أنحاء البلاد تهتف “الموت للديكتاتور”، مطالبةً بإسقاط النظام، وفي تطور حديث نسبيًا، طالب البعض بعودة رضا بهلوي، نجل شاه إيران الأخير المنفي.

ويشير حجم حملة القمع التي أعقبت ذلك إلى أن النظام الإيراني، الذي أُنهك من حرب الصيف الماضي مع إسرائيل والولايات المتحدة، وفقد حلفاءه الإقليميين، لم يكن مستعدًا لأي تنازلات.

إن الانقطاع الرقمي غير المسبوق، الذي عزل الإيرانيين عن العالم، يعني أن الحجم الحقيقي للوحشية لم يُفهم بالكامل بعد.

وقُتل ما يقرب من 3000 شخص منذ بدء حملة القمع الإيرانية ضد المعارضة، وفقًا لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها. 

ولا تستطيع شبكة  تأكيد هذه الأرقام بشكل مستقل.

هل ستصل الأمور بين الولايات المتحدة وإيران إلى المواجهة؟

خلال الأسابيع القليلة الماضية، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا وتكرارًا بمهاجمة إيران إذا استخدم النظام العنف ضد المتظاهرين.

ومع ذلك، صرّح ترامب للصحفيين، الخميس، بأن “مصادر مهمة للغاية من الجانب الآخر” أبلغته بتوقف عمليات القتل في إيران، ما يشير إلى عدم وجود أي عمل عسكري أمريكي فوري.

 كما ذكر مسؤولون خليجيون لشبكة  بأن قطر وعُمان والسعودية ومصر حثّت الولايات المتحدة على تجنب توجيه ضربات إلى إيران، محذرةً من مخاطر أمنية واقتصادية قد تؤثر على الولايات المتحدة والمنطقة ككل. 

ويبدو أن هذه الجهود الدبلوماسية قد أسفرت عن خفض التصعيد.

لكن هذا قد يكون مؤقتًا، حيث يقول المحللون إن خطر توجيه ضربات أمريكية أو إسرائيلية إلى إيران لم ينتهِ بعد.

 

لم يُتوصل إلى حلٍّ للجذور الحقيقية للتوترات”، هذا ما قاله تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للحكم الرشيد، لشبكة ، مضيفًا أن التوترات الإسرائيلية الإيرانية لم تكن يومًا مرتبطة بالاحتجاجات.

وذكر مصدرٌ لشبكة  ،الخميس، أن الجيش الأمريكي ينقل مجموعة حاملات طائرات ضاربة إلى الشرق الأوسط، ومن المتوقع وصولها إلى الخليج العربي مع نهاية الأسبوع المقبل.

لكن في الوقت الراهن، يطغى الحديث عن المفاوضات على دويّ طبول الحرب. وفي حديثه في فلوريدا يوم الخميس، تبنى مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، الذي كان على اتصال مباشر مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال الأسبوع الماضي، نبرةً تصالحية.

هل لا يزال هناك مجالٌ للدبلوماسية؟

حتى لو حاولت طهران وواشنطن إحياء الدبلوماسية، فإن إيران ستفعل ذلك من أضعف موقفٍ لها حتى الآن، فمقارنةً بجولات المفاوضات السابقة، تغير ميزان القوى بشكلٍ حاد. 

فقد تضررت المنشآت النووية الرئيسية في إيران بشدة جراء الضربات الأمريكية الصيف الماضي، مما أدى إلى إضعاف أجزاءٍ رئيسية من برنامجها النووي، كما تم تحييد معظم الوكلاء الذين كانت تستخدمهم إيران لبسط نفوذها بشكلٍ فعال من قبل إسرائيل.

وبينما لا تزال إيران تحتفظ بمخزونٍ كبير من اليورانيوم عالي التخصيب – وهو عنصرٌ أساسي في صنع القنبلة النووية – فإن الضربة المادية والرمزية قويةٌ للغاية.

وتوقع بارسي أن “ترامب سيتبنى موقفاً متشدداً للغاية” في حال استئناف المفاوضات.

وبعيداً عن الملف النووي، من المرجح أن تتناول أي محادثات متجددة نطاقاً أوسع من القضايا. 

وستحرص الولايات المتحدة على كبح برنامج الصواريخ الإيراني ودعمها للجماعات الوكيلة مثل “حماس” و”حزب الله”، فضلاً عن الميليشيات الشيعية في المنطقة. وهنا تكمن التعقيدات.

وبينما أبدت القيادة الإيرانية في الماضي بعض المرونة في سبيل التوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة، إلا أنها تعاملت مع برنامج الصواريخ ودعم ما تسميه جماعات “المقاومة” على أنهما أمران غير قابلين للتفاوض، وأي تنازل في هذين الجانبين سيُعتبر استسلاماً صريحاً للمطالب الأمريكية.

لكنها لن تكون المرة الأولى التي تُجبر فيها إيران الثورية على قبول اتفاق غير كامل.

 ففي نهاية الحرب الإيرانية العراقية عام 1988، وافقت الجمهورية الإسلامية على وقف إطلاق النار الذي قاومته طويلاً، حيث قال مؤسس الثورة الخميني قولته الشهيرة: “كأننا نشربنا من كأس مسمومة”. 

وبعد ما يقرب من أربعة عقود، وجد النظام نفسه في مأزق أكثر خطورة.

وقد يكون مستعدًا لتقديم تنازلات مؤلمة لضمان بقائه مرة أخرى. ولكن حتى لو فعل ذلك، فقد لا يكون كافيًا لاستعادة الشرعية التي فقدها لدى الشعب بعد قتله الكثير من مواطنيه.

العقد الاجتماعي “متضرر إلى الأبد

يقول الخبراء إن الاحتجاجات الأخيرة أظهرت أن العقد الاجتماعي بين الجمهورية الإسلامية وشعبها قد انهار بشكل لا رجعة فيه.

ولم تكتفِ الدولة بالفشل في حماية مواطنيها من الهجمات الخارجية، أو تحقيق الازدهار الاقتصادي، أو السماح بالحريات السياسية والاجتماعية، بل أظهرت مرارًا وتكرارًا استعدادها لاستخدام العنف الوحشي لإسكاتهم.

وقال بارسي إن العقد الاجتماعي كان ضعيفًا بالفعل، والآن “تضرر إلى الأبد”.

ورغم بعض المكاسب التي حققها الشعب بعد جولة احتجاجات عام 2022 فيما يتعلق بتخفيف قيود الحجاب، إلا أن الاضطرابات الحالية مختلفة تمامًا، بحسب بارسي، التي عزت ذلك إلى مستوى العنف غير المسبوق الذي يمارسه النظام.

وبالنسبة للعديد من الإيرانيين، لن يرضيهم شيء سوى التغيير الجذري. وهذه مهمة بالغة الصعوبة.

وعلى مدى عقود في السلطة، قام خامنئي وجهازه الأمني ​​الضخم بسحق أي شكل من أشكال المعارضة الداخلية القادرة على تشكيل تحدٍّ جاد لحكمه.

وشخصيات مثل مصطفى تاج زاده، نائب وزير الداخلية السابق، ونرجس محمدي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام والناشطة الحقوقية، قضوا سنوات خلف القضبان لمعارضتهم النظام من الداخل.

وإذا كان للتغيير الحقيقي أن يظهر، فمن المرجح أن يأتي من داخل النظام نفسه. فقد استفادت هياكل الأمن والسلطة بشكل كبير من النظام، وليس من المعسكر الإصلاحي الذي تم إضعافه تدريجيًا.

وقال بارسي: “السيناريو الأرجح هو وجود نسخة أخرى من النظام، من خلال عناصر من داخله. إن إزاحة القيادة العليا أمر، أما المؤسسة الأمنية فمسألة أخرى، ولا يمكن إزاحتها بسهولة“.

لا معارضة فعّالة

خارج إيران، يزداد الوضع غموضًا. لا تزال جماعات المعارضة المقيمة في الخارج تعاني من انقسامات عميقة. وعاد رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير المنفي، إلى الظهور كشخصية محورية محتملة. ويصرّ على أنه سيكون قائدًا انتقاليًا مستعدًا لقيادة إيران نحو مستقبل ديمقراطي أكثر ازدهارًا. لكن بعد أكثر من 4 عقود في المنفى، كافح لبناء تحالف سياسي متنوع أو وضع خطة لإحداث تغيير لا يتضمن تدخلًا أمريكيًا، وهو ليس حتى المرشح المفضل لدى ترامب لحكم البلاد.

وقالت دينا إسفندياري، مسؤولة شؤون الشرق الأوسط في بلومبيرغ إيكونوميكس ومقرها جنيف، إن معظم شخصيات المعارضة كانت خارج البلاد ولم تبذل جهدًا، مضيفةً أن هناك من يحتاج إلى شخص ما مثل بهلوي، “شخصية مثيرة للجدل للغاية، ومن شأنها أن تُحدث انقسامًا كبيرًا بين الإيرانيين“.

وهذا الغموض هو ما يُثقل كاهل العديد من الإيرانيين وهم يُفكرون في مدى قدرتهم على السعي نحو التغيير.

وثمة قلق آخر مُحتمل يتمثل في ما إذا كان سقوط النظام سيؤدي إلى انهيار إيران كدولة. فمع تنوعها العرقي والإقليمي، ومع وجود بعض الجماعات التي تُطالب علنًا بالانفصال، يُصبح خطر التشرذم احتمالًا واردًا.

من المرجح أن تكون موجة احتجاجات أخرى مسألة وقت لا أكثر. وكما يتذكر قادة طهران، كانت ثورة 1979 تتويجًا لحركة احتجاجية استمرت عامًا كاملًا، شهدت مدًا وجزرًا قبل أن تُطيح أخيرًا بنظام الشاه.

وقالت إسفندياري: “لا أعتقد أن هذه هي نهاية الاحتجاجات. لقد تجاوزنا خطًا أحمر، ووصلنا إلى نقطة اللاعودة”.

عن

شاهد أيضاً

خاص.. موسم الأمطار ينقذ الزراعة في زاخو

أسهم موسم الأمطار الغزيرة الحالي، في إنقاذ الزراعة في منطقة “خراب ديم” الواقعة في ناحية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Recent Comments

لا توجد تعليقات للعرض.

أحدث المقالات

Calendar

يناير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

الأرشيف

تصنيفات

منوعات

Calender

يناير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

الأرشيف